عانى أنور وجدى فى حياته كى يصل إلى طريق المجد والشهرة، واستحق ما وصل إليه عن جدارة، وأثبت أنه أهل لأن يطلق عليه "فتى الشاشة الأول"، من حيث قسمات وجهه وامتلائه برونق الحياة إضافة إلى بنيانه القوى، وكان متعدد المواهب فأخرج وكتب وأنتج ومثل، ونجح فى كل هذه الأعمال نجاحا باهرا، وله طلة مميزة على الشاشة، فكان يجذبك إليه ويشد انتباهك باستمرار.
فى منتصف الأربعينيات عندما أصبح النجم الأول، كان أنور هو نجمنا المفضل ونحن "أطفال كبار" (هذا مصطلح خاص بالأديب أسامة الرحيمى)، ننتظر أفلامه بلهفة شديدة، كنا نحبه لأنه يحارب الأشرار ويقضى على المجرمين ويقبض عليهم، ويقف إلى الحق ويكره الظلم، وعندما يتعارك مع شرير كنا ننتظر تطاير شعره اللامع الحرير دائما يمنة ويسرة؛ إذ ينتفض شعره المقصوص بعناية سريعا، فإذا غضب ظهر هذا الغضب فى شعره.
كانت أحلى أوقاتنا - وما زالت- عندما نشاهد فيلم "ريا وسكينة"، كنا نستمتع بدوره وهو يتعقب العصابة التى تخطف النساء لسرقة حُليهن، وزادت صرامة الفنانة "نجمة إبراهيم" ووجهها المخيف من تخويفنا تشويقنا، فكان هو خير من يمثل هذا الدور. كذلك أفلام: "الوحش"، "النمر"، "أمير الانتقام"، "أربع بنات وظابط"، "قلبى دليلى"، "غزل البنات"... فى الحقيقة أفلام كثيرة نراها ممتعة ولا نمل من مشاهدتها، إضافة إلى تقديمه الطفلة "فيروز" وقد وقع مع والدها عقدًا بموجبه أعطاه ألف جنيه عن كل فيلم تمثله، وهذا رقم خرافى فى ذلك الوقت.
لدى اعتقاد بأن أنور كان يريد أن يجعل من نفسه بطلا شعبيا عند الجماهير، فقد بدأ حياته الفنية شابا غنيا مستهترا لا يكترث للقيم والأخلاق والمبادئ، وقد يكون نذلا يستغل فقر ضحيته ليوقع بها ثم يتخلى عنها كما فعل مع "أم كلثوم" فى فيلم "فاطمة"، لهذا عندما أسس شركة إنتاج خاصة به غيَّر من جلده، وظهر فى أدوار يحبها الجمهور ويريدها وتكون مثله الأعلى، فأراد أنور أن يكون هذا النموذج، خاصة أن المجال مفتوح أمامه ولديه كل المقومات، فلا أعتقد أن هناك أحدا فكر فى أن يكون البطل عند الجماهير باستمرار قبل أنور، قد يكون يوسف وهبى لكن ليس لديه مقومات أنور، كما أن أداء يوسف التمثيلى يغلب عليه الطابع المسرحى. ولهذا أرى أن فكرة البطل فى السينما يستحقها أنور وجدى عن استحقاق، يليه فريد شوقى فتوة الناس الغلابة.
تنوعت أدوار أنور لترسِّخ هذه الصورة فى أذهان الجماهير، فيظهر فى صورة ضابط وتتنوع حيله للتخفى عن اللصوص أو المجرمين أو السفاحين، أو ضابط لا يخالف وظيفته حتى إن داس على قلبه، أو يظهر فى صورة إنسان فقير لا يملك قوت يومه لكنه يملك الشجاعة فيتبنى طفلة رضيعة، فيكون أباها وأمها، ولا يتخلى عنها، أو يظهر فى صورة فارس من الثوار، يمتلك من النبل ما يجعله لا يفشى سر رسالة قد تسلمها على متن مركب فى عرض البحر، وفى سبيل وفائه هذا يتعرض للسجن ويترك عروسه وأباه الطاعن فى السن، ومع هذا يكون فارسا من فرسان العصور الوسطى. وإن تخلى عن هذا النمط – كما فى فيلم "خطف مراتى"- فإنه لا يكون شريرا على الإطلاق، بل يكون فى دور المدافع عن بيته وعن زوجته من رجل آخر جاء ليخطفها منه.
كان أنور يفهم فى صناعة السينما حق الفهم، فهو مؤسسة فى حد ذاته، يكتب القصة والحوار والسيناريو ويغامر بأمواله فينتج، وأخيرا كان مخرجا بارعا، حققت أفلامه إيرادات مرتفعة، مع أن الكثيرين لا يعدونه من زمرة المخرجين، وإنما يرونه ممثلا فقط. ولم يكن بخيلا فى إنتاجه، فكان يصرف بلا حساب إذا تطلب الفيلم ذلك، وأدخل الاستعراض وهو مكلف للغاية فى أفلامه لفيروز. كان فى استطاعته إخراج كل ما لدى الممثل من إبداع، نجحت فيروز معه وفشلت مع غيره عندما ظن والدها أنها تدر على أنور وجدى أموالا طائلة، فقرر أن يستأثر بها لنفسه بعدما طلب منه مبالغ طائلة، فقضى عليها إلى الأبد، وحرمنا من موهبة كبيرة.
كانت لدى أنور مشروعات كثيرة يريد أن ينجزها فى السينما، فها هو يجهز فيلما لسعاد مكاوى مع إسماعيل ياسين بعد نجاحهما معا فى أداء الأغنيات المشتركة وأشهرها على الإطلاق "عايز أروح"، ويجهِّز أفلاما أخرى سواء من بطولته أو بطولة آخرين.
لكن ما حدث بعد ذلك مع أنور وجدى أمر يدعو إلى الشفقة عليه والدعاء بالمغفرة والرحمة له؛ إذ حقق ما كان يصبو إليه ويسعى إليه بكل ما أوتى من قوة من مجد وشهرة ومال، وضع تحت كلمة "مال" ألف خط، فهو ينتمى إلى عائلة فقيرة، وأنور عانى شظف العيش، فكان يتقاسم هو والفنان عبد السلام النابلسى حجرة مشتركة، لكنه كان يتمتع بصحة جيدة ويأكل ما تكسبه يداه، ولو كان قليلا، فكان يدعو الله أن يرزقه المال الكثير ليأكل ما لذ وطاب، ويحقق حلمه السينمائى، وبالفعل رزقه الله المال الوفير وحقق حلمه السينمائى، لكنه لم يستطع أن يأكل ما لذ وطاب! لإصابته بمرض فى الكلى، فمنع عنه الأطباء الأكل اللذيذ، وسافر أنور إلى استوكهولم بالسويد مصطحبا زوجته الفنانة الجميلة "ليلى فوزى"، وهناك فى الضباب فى بلد يعيش تحت الصفر، يجرى عمليات دقيقة لكنها تفشل ويفقد أنور نور عينيه ويصاب بالعمى، ويسلم روحه إلى بارئها سنة 1955 فى منتصف شهر مايو، وقد تجاوز الخمسين بعام واحد، وعاشت "ليلى" أسوأ أيام حياتها، كانت وحدها مع أنور، كان هو السند والمعين لها، وهاهى تصبح سنده ومعينه، لا تعرف كيف تتصرف فى هذا الموقف المؤلم، وهى التى ليست لها دراية فى الحياة فكيف تكون لها دراية فى أمور الموت! ذهبت بزوجها حيا إلى السويد ليستمتعا بشهر العسل فإذا بها تعود به جثمانا مسجى، ترملت ولم يمض على زواجهما أربعة أشهر فقط.
عادت بجثمان زوجها إلى أرض الوطن، لا ليصلى عليه ويدفن فى مقبرته، لم يحدث هذا، للأسف انشغل الجميع بتركة المرحوم الذى لم يدفن بعد، الذى مازال بينهم فى دنيا الحياة، فوضعوه فى صندوق خشبى وتركوه، وكأن لسان حاله يقول لهم: "هل جمعت كل هذا الأموال لألقى هذا الجزاء؟ من فضلكم ضعونى فى قبرى لأستريح، لا تتقاسموا التركة وأنا لم أدفن بعد، المال كثير جدا ولن يذهب، واعلموا أن إكرام الميت دفنه، فأكرمونى أكرمكم الله".
يحكى كامل الشناوى أنه كان يسير برفقة الموسيقار محمد عبد الوهاب فى الزمالك، فأشار عبد الوهاب إلى "فيلا" أنيقة وقال: هذه هى "الفيلا" التى كان المرحوم أنور وجدى قد اشتراها قبيل وفاته وأعدها لمسكنه، وقد مات رحمه الله قبل أن تطأها قدماه!
ويكمل كامل الشناوى قائلا: قابلت جليل البندارى – صحفى بأخبار اليوم ومؤلف أغان ومنتج سينمائى وقصصى- أمام وزارة الأوقاف، وقال إن لأنور وجدى عمارة لم يفتتحها بعد عند تقاطع شارع مظلوم مع شارع هدى شعراوى، وكان جليل حزينا لرحيل أنور وجدى بهذه الطريقة، فقال لكامل: هل تعلم أن أنور صاحب هذه العمارة وصاحب فيلا الزمالك، لم يجد بعد موته غرفة يبيت فيها جثمانه إلى الصباح؟! لقد ظل جثمان أنور فوق الرصيف فى حراسة موظف عنده يدعى "ليون".
وحكى جليل ما حدث لجثمان أنور فقال: على إثر وصول الطائرة التى تقل جثمان أنور وجدى، وتقل قرينته ليلى فوزى، تجمع الناس حول ليلى، وتركوا الجثمان فى حراسة الخواجة "ليون"، وجاء أهل أنور وصحبوا ليلى معهم فى عربة.
وذهب ليون بالجثمان إلى مكتب أنور فوجده مغلقا، وذهب إلى البيت فوجده مغلقا، فبقى مع الجثمان فوق الرصيف حتى الصباح، ثم استقل عربة إلى المقابر، ولم يكد أهل الفقيد يصلون إلى المقبرة، حتى جاءهم من يقول إن مندوب إدارة التركات قد وصل إلى مكتب أنور، فترك أهله المقابر وعادوا إلى المكتب ليقابلوا مندوب التركات!
وتولى ليون وحده دفن الجثة هو وبعض أصدقاء أنور ممن ليس لهم فى تركته أدنى نصيب!
وهذه الرواية تتضارب مع رواية أخرى تقول: إن المطرب محمد الكحلاوى هو من فتح الصندوق الخشبى الذى به جثة أنور، ونزع عنه الشاش الملفوف به ثم قال: لا حول الله، بقى ده حال فتى الشاشة الأول؟! ثم كفنه وأخذه إلى المسجد وأشرف على تغسيله مرة أخرى وصلى عليه ودفنه.
لكن جليل البندارى لم يشر إلى حكاية المطرب محمد الكحلاوى لا من قريب ولا من بعيد، وجليل كان حزينا على أنور وجدى، فكيف يغفل عن ذكر حدث مثل هذا؟
أيا كان الوضع، فإن أنور وجدى كان مهملا من أقاربه، لا أحمِّل زوجته المسئولية فقط، لكن الأهل هم من عليهم تقع المسئولية الكبرى، كذلك أحمل الدولة المسئولية فى أنها تركت جثمان هذا الرجل بيد هذه العائلة، كان من المفترض أن يكون هناك مندوب عنها يتابع عملية نقل الدفن، أو على الأقل تُسهِّل دفن الرجل، هذا الرجل لم يكن إنسانا عاديا – وإن كان – بل كان فنانا كبيرا، فنانا أطلق عليه "فتى الشاشة الأول".
ومن يرَ الآن قبر أنور وجدى، يتحسر على ما وصل إليه حال هذا الرجل دنيا وآخرة، فلم يسترح فى دنياه، وكذلك لم يسترح فى أخراه، فحال المقبرة الآن سيئ للغاية، سقف المقبرة يكاد يلاصق الأرضية، والمقبرة كلها آيلة للسقوط، ولا تستطيع أن تدخلها بيدك، إنى أحس بأنور وجدى وكأنه يتذكر مشهده فى فيلم "أمير الانتقام" وهو يحفر نفقا مع حسين رياض كى يهرب من سجن المغول، كانت زنزانته أشبه بالقبر أيضا.